الزبدة
السماحة مو ضعف، ولا تعني الموافقة على كل شيء. تقدر تختلف، وتقول لا، وتطلب حقك، من غير ما تجرح أحد أو تحوّل كل خلاف إلى معركة. الشطارة تنجز العمل، لكن السماحة تجعل التعامل أسهل والطريق أخف.
جاتني فكرة هذا المقال بعد ما شفت تغريدة على تويتر، وكان معناها:
كن شخصًا سهل العمل معه. احضر في الموعد، ونفّذ ما وعدت به. قدّم حلولًا، لا مجرد مشكلات. كن واضحًا ومتعاونًا ولطيفًا. الناس تحب تتعامل مع الشخص اللي يسهّل الأمور، مو اللي يعقّدها.
الكلام بسيط، لكنه خلاني أفكر. الناس ما تتذكر النتيجة وحدها؛ تتذكر أيضًا كيف كان التعامل معك. ومن هنا بدأت أفكر في كلمة تجمع كثيرًا من هذه المعاني: السماحة.
السماحة تظهر وقت الاختلاف
من السهل أن يكون الإنسان لطيفًا إذا سارت الأمور كما يريد. لكن السماحة الحقيقية تظهر وقت الاختلاف، أو العتاب، أو المطالبة بالحق. الشخص السمح عنده رأي وحدود، لكنه ما يحوّل كل اختلاف إلى خصومة، ولا كل حق إلى معركة.
وجاء في صحيح البخاري:
في العمل والحياة، كثير من المشكلات ما تكبر بسبب الخطأ نفسه، بل بسبب اللي نضيفه عليه: سوء ظن، أو كلمة حادة، أو انشغال بإثبات مين المخطئ. وأحيانًا كل اللي نحتاجه أن نسأل قبل ما نحكم، ونعطي الطرف الثاني فرصة يشرح، وما نفترض أن كل تقصير مقصود.
وهذا ما يعني نتجاوز عن كل شيء؛ نعالج الخطأ بحجمه، ونحفظ للناس قدرهم، ثم نمضي.
نبرة ما كانت في الرسالة
جزء كبير من تعاملنا اليوم صار بالكتابة: رسالة واتساب، أو إيميل، أو تعليق سريع. لكن الكتابة تنقل الكلمات فقط؛ ما تنقل ملامح الوجه ولا نبرة الصوت. وهنا نكمل الجزء الناقص من عندنا، وغالبًا بحسب مزاجنا في تلك اللحظة.
قد يرسل لك أحد ردًا مختصرًا وهو مبتسم أو مستعجل. وأنت تقرأه بعد يوم ثقيل، فتحس أنه زعلان أو يقلل منك. ترد على نبرة ما قصدها، ويرد هو على حدّتك، وتبدأ مشكلة ما كان لها أصل.
وهذا مو مجرد انطباع. في دراسة عام 2005، شارك في إحدى التجارب 308 أشخاص، موزعين على 154 مجموعة، في كل مجموعة شخصان. بعض المجموعات كانت من صديقين، وبعضها من شخصين ما يعرفون بعض. كتب كل شخص خمس جمل تحمل واحدة من أربع نبرات: السخرية، أو الجدية، أو الغضب، أو الحزن. ثم تبادل الشخصان الجمل بالإيميل، أو بالصوت فقط، أو وجهًا لوجه.
بعد كل جملة، اختار المستقبِل النبرة التي فهمها، ثم حدّد هل يعتقد أن اختياره صحيح أو لا. في الإيميل، ظن المشاركون أن اختيارهم صحيح في 89% من الحالات، لكنهم أصابوا فعلًا في 63% فقط! أما مع الصوت أو وجهًا لوجه، فوصلت دقة الاختيار إلى نحو 73% و74%. واللافت أن هذا الفرق ما اختفى حتى بين الأصدقاء.
الفكرة مو أن كل رسالة نفهمها خطأ؛ الفكرة أننا قد نكون واثقين من تفسيرنا أكثر من اللازم. الكاتب يعرف قصده، لكن القارئ ما عنده إلا الكلمات، وقد يضيف لها نبرة من عنده.
السماحة هنا أن تعطي الكلام احتمالًا طيبًا، قبل ما تبني عليه موقف من راسك. وإذا ما كان المعنى واضحًا، اسأل ببساطة: «هل فهمتك صح؟». وإذا طال النقاش أو بدأ يسخن، فمكالمة فيس تايم أو زوم أرحم من عشرين رسالة.
أحيانًا ما نحتاج نكتب رسالة أذكى؛ نحتاج فقط أن نسمع بعضنا.
المزاج يتغيّر، والاحترام يبقى
كلنا تمر علينا أيام ثقيلة، ومو لازم الواحد يكون بشوشًا طول الوقت. لكن السماحة تظهر في طريقة تعاملنا مع الناس حتى في هذه الأيام.
أحيانًا نحتاج نؤجل نقاش، أو نأخذ وقت نهدأ فيه، وهذا طبيعي. تكفي جملة بسيطة: «خلنا نرجع للموضوع بعدين». المهم أن يبقى الاحترام، حتى لو ما كان مزاجنا في أفضل حالاته.
وهذا ما يعني نكبت مشاعرنا أو نتظاهر أن كل شيء بخير. يعني نتحمل مسؤولية شعورنا، وما نخلي الناس حولنا يدفعون ثمنه. نرتاح للشخص اللي نقدر نسأله أو نختلف معه من غير ما نخاف من ردة فعله.
السماحة مو مزاج جيد؛ هي طريقة تعامل تبقى حتى في اليوم السيئ.
وش تكسب من السماحة؟
السماحة ما تظهر في موقف واحد. الناس تلاحظها مع الوقت: ترتاح في التعامل معك، وتصارحك إذا صار خطأ، وتختلف معك من غير خوف أن يتحول الخلاف إلى خصومة.
ومع الأيام، يصير معروف عنك أن التعامل معك واضح وخفيف، وأنك تحفظ كرامة الناس حتى وقت الاختلاف. فيرجعون يتعاملون معك، ويرشحونك، ويوقفون معك إذا تعثرت. مو لأنك توافق على كل شيء، لكن لأنك ما تتعبهم في كل خطوة.
والسماحة ما تسهّل حياة الآخرين فقط؛ تسهّل حياة صاحبها أيضًا. تقل معها الخصومات وسوء الفهم، ونرتاح من مشاكل كان ممكن ما تبدأ أصلًا.
ولا أزكي نفسي؛ هذه أخلاق نحاول نتمسك بها، وأحيانًا نقصّر. لكن خلونا دائمًا نحاول نكون الشخص اللي يقولون عنه، ببساطة: سمح.